علم نفس

أهمية تقمص مشاعر الآخرين وعواطفهم

أهمية تقمص مشاعر الآخرين وعواطفهم ، إن ممارسة المهارات الشخصية لفضائل الصبر والجلد وضبط النفس وكذلك ممارسة مهارة الاستماع بغية التعلم تمهد الطريق
لوضع الأسس اللازمة للمهارة الثانية في منهجية ليدرز، ألا وهي مهارة تقمص مشاعر الآخرين وعواطفهم. بعد أن نضع جانبا
عواطفنا ومشاعرنا وما لدينا من أجندا خاصة، نستطيع أن نركز على الأهداف التي يرمي إليها المتكلم ومشاعره. كما أن فهم
وإدراك أثر المتكلم بمعزل عن أثرك الخاص يمهد السبيل أمامك لتتقمص حاجة المتكلم وأهدافه ومواقفه.

التقمص

يقدم لنا مورلي سيغال Segal Morley في معرض شرحه لأعمال كارل روجرز Rogers Carl تعريفا لمصطلح التقمص بأنه
مواءمة بين مشاعر المرء ومشاعر الآخر. وهو ليس شعورا بالأسى نحوه (1997 ,Segal). فالشعور بالأسى نحو الآخر أو التعاطف معه قد يعني ضمنا أن هذا الآخر ضعيف وبحاجة للعون وهذا ما يضعف ويحط من قيمة التواصل. والتعاطف يجعل من العسير الدخول في حوار حقيقي. كما يسبب فقدان الموضوعية في الحوار.

لكن التقمص يخلق إحساسا بالانفتاح وقبولا بمواقف الآخر ومشاعره وعواطفه. وهو أيضا المقدرة على مواكبة تفكير الآخر وأحاسيسه. كما أن التقمص يجنبنا إعطاء تقييم أو حكم على الشخص الآخر، وهو ما يعطل التواصل الحقيقي. وبالتالي
يساعدنا على التجاوب معه على نحو أفضل. لكن واحدة من العقبات التي تقف حائلا أمام التقمص تكمن في عجزنا عن تغيير
نظرتنا إلى الآخر، أي أننا نتمسك بفكرتنا المسبقة عنه. لكن المعلومات الراجعة الناجمة عن التقمص تبين بجلاء صورة مختلفة للشخص نفسه.

ومن المهم أيضا أن ندرك أن التقمص أداة ذات تأثير قوي ينبغي استخدامها بصدق يخلو من الرياء والتكلف إذا أريد لها أن
تكون وسيلة دعم للقيادة الصادقة الحقيقية. ففي كتابهم How to Hire and Develop Your Next Top Performer: The Five Qualities that Make Salespeople Great  يذهب المؤلفون غرينيرغ وفاينشتاين وسويني إلى حد الإشارة بأن التقمص عمل يخلو من الأخلاق وأن بعض الناس قد يلجؤون إليه وفي نيتهم غايات غير نبيلة أو في سبيل خدمة حاجاتهم الأنانية (,Weinstein ,Greenberg 200l,Sweeney). إلا أن التقمص قد يكون أيضا وسيلة تساعد المرء على اتخاذ القرار الصحيح، وعليه فالأخلاق يجب أن تكون رديفا مهما للتقمص، ولهذا السبب تعد مهارة “شارك في سبيل غايات نبيلة، واحدة من المهارات السبع الأساسية التي يمارسها القادة الحقيقيون.

المشاعر العاطفية

في واحد من مؤلفاتهم العديدة حول هذا الموضوع يحدد الباحثون دانييل غولمان Goleman Daniel وريتشارد بوياتزز Rich
Boyatzis ard وآني ماك كي  McKee Annie أربعة ميادين للذكاء العاطفي وهي:

1- الوعي الذاتي.

2- إدارة الذات.

3 – التقمص.

توصل بجديد مقالاتنا في تطوير الذات عبر بريدك الإلكتروني

وتقمص مشاعر الآخرين وعواطفهم 2

4 – الإدارة الاجتماعية وإدارة العلاقات.

فالوعي الذاتي هو المقدرة على إدراك وفهم الأمزجة والنوايا أو ما قد ندعوه الدوافع. أما إدارة الذات فهي المقدرة على التحكم
بالمواقف وإعادة توجيهها ليصل المرء إلى أهدافه. وهاتان المقدرتان هما الجزء الضروري من إعداد المرء لنفسه قبل حصول التفاعل مع الآخرين. وأما الإدارة الاجتماعية وإدارة العلاقات فتعني تلكم المهارات التي تجعل المرء يتمتع بالفطنة السياسية التي تؤسس لعلاقات صحية داخل المؤسسة.

فالقادة اليوميون يجب أن يكونوا قادرين على أن يضعوا جانبا أحكامهم وتحاملاتهم واستغراقهم في ذاتهم وأفكارهم المسبقة
ومشاعرهم العاطفية لكي يحسنوا الأداء في دائرة نفوذهم، وكل ذلك دون أن يضعوا أنفسهم تحت رحمة الآخر. وإن تعثر التواصل، فقد يكون من الضروري اللجوء إلى الأسئلة والتعليقات التي من شأنها إبقاء الحديث في مساره الصحيح والإيجابي. وقد يفيد في بعض الأحيان إعطاء المجال لفترات صمت تتيح للمرء أن يجري تقييما ذاتيا له أهميته.

ردود الفعل الإيجابية والسلبية

جميعا تخالجنا أفكار إيجابية وسلبية. لكن معرفتنا بتلك الأفكار تعزز أهمية التقمص كمهارة في إدارة المرء لمواقفه وعواطفه
على نحو إيجابي ومنتج، وحتى لو رأيت أن شخصا ما غير واقعي ولا يتحدث بعقلانية فمن المهم أن تبحث عن شيء إيجابي وصحيح في حديثكما وتستخدمه لتصل إلى الغاية النبيلة. ولكي تكون مؤثرا  في دائرة تواصلك مع الآخر ينبغي لك أن تقر وتعترف بمشاعر الآخر سواء كنت تشاركه فيها أم لا، وأن تجعل من حديثك معه وسيلة تحسم بها تلك العواطف، ويتواصل بها السعي لتحقيق الهدف أو المهمة الماثلة أمامك.

أما التعاطي مع العواطف والمشاعر السلبية ومحاولة حسمها فلذلك أثر بالغ في قدرتك على القيادة. بداية نقول إن هذه المهارة واحدة من أكثر المحاولات صدقا في العاطفة والشفقة يمكن أن تبذلها لما فيه مصلحة الآخر، ناهيك عن كونها تعمل على تهدئة الشخص الذي يمر بمرحلة من السلبية. وحالما يهدأ هذا الشخص يمكنك البدء بحوار إيجابي مستخدما في هذا السبيل كلمات الشخص الآخر ذاتها لتوضيح وتفسير فهمك لما يعانيه. والقائد اليومي الذي يفعل ذلك يسهم في خلق ثقافة دافئة داخل دائرة نفوده تتسم بالتفهم والدعم.

من المفيد معرفة العواطف

توجد مئات من المشاعر العاطفية التي يتحتم على المرء أن يتعاطى معها مهما كانت منزلته الاجتماعية. وقد رأى دانييل غولمان أن الأحاسس الثمانية التالية هي الأكثر انتشارا بين الناس:

الغضب والحزن والخوف والمتعة والحب والدهشة والاشمئزاز والشعور بالخزي (299 – 1995,289 ,Goleman). كما رأى أن لكل
من هذه العناوين العريضة درجات متفاوتة يمكن أن نعدها تقسيمات فرعية لها نبينها فيما يلي:

1- الغضب: غضب بالغ الشدة، الحنق، الامتعاض، الغيظ، السخط، الاستياء، الإغاظة، قسوة لاذعة، حقد، انزعاج، نزق وسرعة
الغضب، عداء وخصومة، ضغينة، وعنف.

2- الحزن: حزن شديد، أسى، ذهاب الابتهاج، الغم، الانقباضية (أو نزوع المرء للحزن)، شعور المرء بالرثاء لحاله، التوحد الشعور
بالانعزال، الاكتتاب، اليأس، كآبة مترافقة مع وهن.

3- الخوف: فلق وتلهف، خوف من شر مرتقب، هلع نزق، دعر، توجس الخوف، حذر واحتراس، خوف مفاجئ، انفعال ناجم عن
الخوف، رهبة وفزع، رعب شديد، رهاب (خوف من شيء معين)، هلع لا مبرر له.

4- المتعة: السعادة، شدة الفرح، شعور بالارتياح، اطمئنان، بهجة، اللهو، التيه والزهو، الانغماس في الملذات، طرب لشيء معين،غبطة، المسرة والرضا، رضا وارتياح، شعور بالنشاط والخفة، نزوة، ابتهاج غامر، الهوس والولع الشديد.

5- الحب: القبول بالآخر، صداقة ومودة، ثقة، حنان، انجذاب وتواصل روحي، الإخلاص والتفاني، الهيام، الامتنان.

6- الدهشة: صدمة، ذهول، اندهاش، انشداه.

7- الاشمئزاز: احتقار، ازدراء، احتقار مترافق مع سخرية وهزء، المقت الشديد، البغض والنفور، الكراهية، تقزز.

8- الشعور بالخزي: شعور بالذنب، ارتباك، غم وكدر، ندم وتأنيب الضمير، إحساس بالمذلة والهوان، الندم والأسف، تعذيب
الذات، أسف عميق.

تمثل هذه التصنيفات الثمانية للمشاعر والأحاسيس العاطصة ما يمكن أن نتعاطى معه في أحاديثا وحواراتنا اليومية. ومع أن
التعرف إلى هذه المشاعر أمر بالغ الأهمية لمهارة القيادة الفاعلة والمؤثرة، إلا أنها لا تلقى الاهتمام الكافي في معظم الأحيان. وهنالك أيضا الأمزجة الشخصية والحساسية البالغة عند الأفراد. فالأمزجة تختلف عن الأحاسيس العاطفية، ذلك أنها تدوم لفترة أطول. وكذلك الحساسية البالغة تختلف عن المشاعر العاطفية. فالحساسية البالغة هي التي تستثير في المرء مزاجا معينا أو عاطفة معينة. والاضطرابات التي تصيب العواطف أو الأمزجة الشخصية أو الحساسية المعينة عند المرء مثل الاكتئاب والقلق، تشكل حالات شبه دائمة عند المرء تدوم لفترات طويلة جدا من الزمن. ونحن عندما نتعامل مع العواطف والأمزجة والحساسيات المعينة وما يخالجها من اضطرابات، فإننا لا نتعامل مع منطق الأشياء، وبالمثل فإن العواطف لا تنشأ عن ذهن عقلاني ومنطقي. فالذهن العقلاني يستطيع أن يتحكم بردود الفعل إزاء عاطفة معينة أو مزاج شخصي معين. يقول غولمان إننا لا نقرر بعقولنا متى نكون سعداء أو غير سعداء، ولكننا لا نستطيع أن نعلم بهده المشاعر العاطفية وننظمها .

وتقمص مشاعر الآخرين وعواطفهم 3

كيف نستخدم هذه المهارة؟

عندما يمارس القادة اليوميون مهارة “تقمص مشاعر الآخرين وعواطفهم، يدركون أولا، إما من خلال ما يقال أو ربما من تعابير
الوجه ولغة الجسد، عاطفة معينة، ثم يتأملون ويفكرون بها بطريقة لا تنم عن تهديد، ويسهلون المناقشة والحوار الذي ينبغي أن يضمن أن مشاعر الآخر قد فهمت جيدا. والقائد الجيد ينتقل بعدئذ إلى محتوى الحديث بطريقة تتطرق إلى العاطفة وتخاطبها وتسهلها وتحل مشكلتها.

وعلى سبيل المثال، يتبين إدراك القادة اليوميين للعاطفة من خلال جعلها جزءا من الحوار لكي يبرهنوا للأخر أنهم يتفهمون
عاطفته تلك. وفي الوقت نفسه يوضح القائد للآخر أنه يستمع ليتعلم. تتضمن المقاربات الفاعلة لتحقيق مستوى معين من التقمص الذي يدركه كلا الفريقين إبداء ملاحظات وتعليقات. مثل:

«”هل لك أن توضح لي لماذا أنت مهتم بهذا الأمر!

“تبدو شديد الاهتمام بهذا الموضوع. لماذا؟

“هل لديك قلق معين قد يسبب مشاعر عدم ارتياح فيما بيننا؟

إضافة لذلك، يساعد تقمص مشاعر الآخر في تشجيع المعلومات الراجعة وفي خلق مناخ للعمل يمكن أن يحدث فيه تبادل
سهل للمعلومات.

من الوسائل المساعدة على إيصال تفهمك لمشاعر الشخص الآخر يمكن أن نذكر ما يلي:

1 – استبعاد شرود الذهن.

2 – التعرف إلى المشاعر التي تحسب أن الآخر يعانيها.

3 – محاولة البحث عن سبب هذه المشاعر.

4 – التجاوب مع الآخر من خلال طرح تعليقات مماثلة لما تقدم ذكره.

5 – جعل الآخر يقدم توضيحات لمشاعره إذا لزم الأمر.

ومن المفيد أيضا جعل التواصل باتجاهين بخصوص جميع القضايا في مكان العمل. وإن حصل هذا الأمر فإن كل حوار يجري
يشكل لبنة جديدة في بناء الثقة والشجاعة والتجلد. ويحضرني في هذه العجالة فيلم سينمائي بعنوان Space Office يصور، بالرغم من كونه فيلما هزليا، سوء المعاملة والإساءة للمشاعر العاطفية التي يتعرض لها الموظفون في أماكن عملهم في أثاء وجودهم. كما يصور (وربما من خلال مثال مبالغ فيه) كم هو ضار ومؤذ استخدام أسلوب الإساءة للمشاعر في التواصل. والملاحظ أن مثل هذه السلبية في التعامل تحدث يوميا بين أفراد المؤسسة الواحدة. إن التواصل الذي لا يخلو من السخرية وباتجاه واحد تواصل غير فاعل ويزيح الإنتاجية عن كل حوار ويؤدي إلى ضياع الفاعلية وفقدان الكياسة في أماكن العمل. فيرى العمال التمرد رد فعل إيجابي للقمع الذي يعانونه.

لهذا فإننا نرى أن القائد اليومي الذي يمتلك مهارة الاستماع والتقمص يصنع الأرضية المناسبة للاهتمام بطموحات من يحدثه وما يتطلع إليه. وسوف نعرض لهذه المهارة بالتفصيل في الفصل التالي. وأخيرا يكفي أن نشير إلى أن مهارة تقمص مشاعر الآخرين وعواطفهم تتضمن دون حصر المقاربات التالية:

حاول أن تعرف سبب التوتر العاطفي – هل هو العمل أم العائلة،أو الصحة أو المال أو القيم أم الشخصية.

حاول أن تعرف الشعور العاطفي ذاته – أهو شعور بالتغرب، أم الضجر، أم الغضب، أو اللامبالاة، أم الخجل أو الإحباط، اليأس، أو
العجز والضعف، أهو التيه والزهو أم الغيرة، والشعور بالمهانة، هل هو صدمة أو شك وريبة أم انسحاب من عمل أو موقف معين.

تأمل بمشاعرهم لتتمكن من تقمص هذه المشاعر.

اشرح فهمك لمشاعرهم وما وراءها من قضايا وهموم.

ابدأ في حوار ونقاش حول محتوى الحديث الذي ألقت المشاعر بظلالها عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى