علم نفس

 فهم القوة المذھلة للتحدث إلى النفس

فھم القوة المذھلة للتحدث إلى النفس ، قد لا یكون ھناك أي شيء أكثر فاعلیة وتأثیرا في سلوكنا وكفاءتنا من حدیث النفس؛ حیث تحدد قوة ھذا الحدیث نتائج مساعینا بشكل كبیر سواء أكان ھذا بالإیجاب أم بالسلب.

وجدیر بالذكر أننا نحدث أنفسنا بمعدل 150 – 300 كلمة في الدقیقة أو 50000 كلمة یومی̒ا! ونحن إما نزرع الأفكار السلبیة في عقولنا طوال الیوم )وتطلق مثل ھذه الأفكار ھرمونات التوتر( أو نزرع فیھا الأفكار الإیجابیة )التي تطلق الھرمونات المسئولة عن الشعور بالسعادة، كالدوبامین والسیروتونین والبیتا إندورفین.(وعندما كنا ً صغارا كنا نتحدث بصوت مرتفع في بعض الأحیان. أتذكر أنني عدت من العمل ذات لیلة، وصعدت إلى غرفة نوم أصغر أبنائي لأراه قبل أن یخلد إلى النوم. وبینما كنت أقترب من
باب غرفتھ سمعت ثرثرة وجلبة، فظننت أن أحد أصدقائھ أو بعضھم موجودون معھ في الغرفة. 

القوة المذھلة للتحدث إلى النفس 1

وعندما فتحت الباب وجدتھ جالس َ ا على الأرض، فیما ظهره لي وھو یلعب بالدمى. لقد كان یخوض تلك المحادثة الخیالیة الحماسیة، ولكن كان صوت كل دمیة ھو في الحقیقة صوت ابني. لقد كان یستمتع بتجربة حقیقیة )بالنسبة إلیھ( مع أصدقائھ الدمى.

وكبالغین، فقد تعلمنا كیف نبقي ھذه المحادثات في داخلنا، على الرغم من أننا قد نفاجئ أنفسنا بین الحین والآخر بقول ھذه الأفكار بصوت ٍ عال، رغم أننا قد نكون وحدنا في مثل تلك الأوقات. وقد رأینا جمیعًا أش ً خاصا وحدھم في سیاراتھم یخوضون محادثات حماسیة مع أنفسھم )بالطبع، كانت ً مثل تلك المحادثات أكثر شیوعا قبل ظھور الھواتف الخلویة.(
وعندما نتحدث إلى الآخرین، نجري حدیثًا داخلی̒ا بیننا وبین أنفسنا، نفسر فیھ ما یحاول ھذا الشخص قولھ في الوقت الذي یتحدث فیھ ھذا الشخص نفسھ، مجھزین بذلك ردنا على كلامھ، فیما لا نزال “نسمع” ھذا الشخص وھو یتكلم.

وعلى الرغم من ذلك، فإن أكثر المحادثات قوة ھي تلك التي نحدث بھا أنفسنا عندما نكون وحدنا. إنھ حدیث الأحكام والتقییمات التي نمدح فیھا أنفسنا على الإتیان بشيء ما حسن، أو نذمھا على الإتیان بشيء ما سیئ.

وقد قلت في بدایة ھذا الفصل: “قد لا یكون ھناك أي شيء أكثر فاعلیة ً وتأثیرا في سلوكنا وكفاءتنا من حدیثنا لأنفسنا،” فكیف ھذا؟ كان ولا یزال حدیث النفس ھو ما یشكل مفھومنا الذاتي، ففي كتاب ، The Power of Nowیناقش المؤلف إیكھارت تول حدیث النفس تحت عنوان “تحریر النفس من العقل.” 

حیث یقول تول: ماذا نعني بالتحدید بقولنا: “الانتباه ُ للمفكر”؟ عندما یذھب شخص ما إلى الطبیب ویقول لھ: “أنا أسمع أصواتًا في رأسي،” سیتم إرسالھ في أغلب الأحیان إلى طبیب نفسي. والحقیقة ھي أن كل الناس تقریبًا یسمعون صوتًا أو العدید من الأصوات في رءوسھم طوال الوقت، وھذه الأصوات ھي ذلك التفكیر اللاإرادي الذي لا تدرك أنك تتمتع بالقدرة على إسكاتھ، إنھا الحوارات والأحادیث الداخلیة المستمرة.

توصل بجديد مقالاتنا في تطوير الذات عبر بريدك الإلكتروني

وربما تكون قد مررت في الشارع بأشخاص “مجانین” یغمغمون ویحدثون أنفسھم طوال الوقت بلا انقطاع. حسنًا، ھذا لا یختلف ً كثیرا عما تفعلھ أنت، أو ما یفعلھ الكثیر من الأشخاص “الطبیعیین” غیر أنك لا تفعل ذلك بصوت ٍ عال. وھذا الصوت یعلق على الأحداث، ویصدر الأحكام، ویقارن، ویشتكي، ویحب، ویكره، وھكذا. ومن غیر الضروري أن تكون للصوت صلة بالموقف الذي تجد
نفسك فیھ في تلك اللحظة، فقد یحیي ھذا الصوت الماضي القریب أو البعید، أو ربما یكرر شیئًا ما، أو یتخیل مواقف مستقبلیة محتملة الحدوث. ھنا عادة ما یتخیل ھذا الصوت أشیاء خطأ تحدث، أو یتخیل نتائج سلبیة؛ وھذا ھو ما یُسمى بالقلق.

وتصاحب ھذا الصوت في بعض الأحیان صور خیالیة، أو “أفلام ذھنیة،” حتى لو كان الصوت ذا صلة بالموقف الحالي، فسوف یفسر ھذا الصوت ذلك الموقف في حدود خبرات الماضي؛ لأن الصوت ینتمي إلى عقلك المبرمج الذي ھو نتیجة كل ما مررت بھ، بالإضافة إلى تلك العقلیة الثقافیة الجماعیة التي ورثتھا؛ لذلك فأنت ترى الحاضر، وتحكم علیھ بعیون الماضي، ثم تحصل على صورة مشوھة ً تماما لھذا الحاضر. ولیس من النادر أن یكون ھذا الصوت ھو أسوأ أعداء الإنسان؛ فالعدید من الأشخاص یعیشون، وھناك قاتل طلیق في عقولھم یھاجمھم ویعاقبھم باستمرار، ویجفف لھم مصادر طاقاتھم الحیویة. إن ھذا الصوت ھو سبب البؤس والأمراض والشقاء المسكوت عنھ الذي یعانیھ ھؤلاء الناس.

والخبر الجید ھو أنك باستطاعتك تحریر نفسك من عقلك، فھذا ھو التحریر الحقیقي الوحید. ویمكنك أن تقوم بالخطوة الأولى الآن، بأن تستمع إلى ھذا الصوت بداخلك بقدر ما تستطیع، وانتبهً تحدیدا لأیة أنماط تفكیر مكررة، أو لھذه الأصوات العقلیة التي كانت تتردد في أذنك لسنوات وسنوات. ھذا ھو ما أعنیھ بقولي: “الانتباه للمفكر.”

وكـ “شخصیات ذات سلطة” في حیاة الأطفال )كوننا آباء، أو مدربین، أو مدرسین، أو أشقاء أكبر سن̒ا،( فنحن بحاجة إلى أن نكون على وعي تام بكیفیة التحدث عن أداء الطفل عندما یكون أداؤه مخیبا للآمال. قد نتحدث ھنا عن العزف على البیانو، أو امتحان مثلا، أو عن حدث ریاضي، أو أی̒ا ما یكون، فالأطفال یتأثرون جدا؛ بحیث إنھم قد یصدقون حرفی̒ا ما یصدره علیھم والداھم من أحكام عن مستوى أدائھم.

إذن، ما الذي یجب علینا فعلھ كمدربین، أو كوالدین، أو كمعلمین عندما یؤدي الطفل بطریقة أقل من إمكاناته ، أو أسوأ مما یقدمھ في الأحوال الطبیعیة؟ من الواضح أنھ ینبغي لنا أن نكون “صورة” في عقولھم تتماشى مع كیفیة رؤیتنا لھم. ومثال على ذلك: “بني، أنا آسف لأن ھذا لم يكن أفضل ما لدیك في ھذه اللعبة. أنا أتذكر أنني لعبت ھكذا مرة. أنت لاعب ممتاز حق̒ا، وربما في الأسبوع المقبل ستحقق أفضل ما لدیك.”!

القوة المذھلة للتحدث إلى النفس 2

أو “عزیزي، أنت تؤدي ھذه الأنشودة في المنزل أفضل من ذلك مرات ومرات. أنا أتحدى أنك لن تستطیع الانتظار حتى موعد الأداء المقبل لتظھر للجمیع كم أنت بارع.” فحدیث النفس لدینا ونحن صغار یتأثر بشكل كبیر بتلك المدخلات التي نتلقاھا من ھؤلاء الذین نقدرھم ونحبھم أكثر، وكما سنرى في الفصل التالي، إن حدیث النفس ھو ما یشكل مفھومنا لأنفسنا.

وبوصولنا “سن البلوغ” )أي عندما نصبح مراھقین( نكون قد َّ كونَّا رأیًا ً واضحا عن مدى مھارتنا أو عدم مھارتنا، وما نحب أو ما لا نحب، والشخصیات التي نُحب الوجود بقربھا أو الشخصیات التي نحاول تجنبھا، وما إلى ذلك. كما نتقبل كـ “حقیقة” أن ھذه ھي الطریقة التي نحن علیھا )التي سنكون ً دائما علیھا.( خلاصة القول إننا نصبح سجناء معلوماتنا عن أنفسنا التي نقبلھا خطأً باعتبارھا حقیقة، وبما أن معظمنا لم یتعلم قط كیفیة إجراء تغییرات بناءة في سلوكنا، فإننا نكمل طریق حیاتنا كأننا نفعل ذلك بطریقة آلیة. 

وختاما، فإن حدیث النفس یشكل مفھومنا الذاتي عن أنفسنا، ومفھومنا الذاتي یحدد مستوى الأداء الذي نقدمھ. وبما أننا ثابتون على الأداء بحسب مفھومنا الذاتي، فإننا نحدث أنفسنا عما وصلنا إلیه من مستوى؛ الأمر الذي یعزز مفھومنا الذاتي، ما یؤكد بدوره أننا سنستمر في الوصول إلى المستوى نفسھ الذي نصل إلیھ في كل مرة.

وحدیثنا لأنفسنا أشبھ بمحطة إذاعیة في عقلنا، فھل نستمع نحن للمحطة الصحیحة؟ ھل ینبغي لنا أن نغیر المؤشر إلى محطة أخرى؟ ھل نعرف كیف نفعل ذلك؟ بالبقاء منتبھین! )أقصد التوریة(سنكتشف الآن كیف یشكل حدیث النفس مفھومنا الذاتي أو إدراكنا لأنفسنا  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى