تطوير الذات

كيف تكتسب قوة الشخصیة

كيف تكتسب قوة الشخصیة ، یقول الدكتور” لي بولوس:”من بین آلاف المرضى الذین رأیتھم على مدار السنوات باختلاف حالاتھم، فإنني أقدر أن ٪٩٥
منھم كانوا یعانون مشكلات في الاعتداد بالنفس، وھو الشعور أو عدم الشعور بالجدارة والاستحقاق، الذي یؤثر في الشعور الداخلي باستحقاق الحب، أو النجاح، أو التمتع بالصحة، أو الرخاء.

وبسبب أھمیة الاعتداد بالنفس وعلاقتھ بھذا الكتاب ككل، فقد طلبت من الدكتور “لي” أن یتفضل مشكورا بكتابة ھذا الفصل عن ھذا الموضوع.

وقد كتب ما یلي:

إن الاعتداد بالنفس ھو جھاز المناعة للعقل والروح، إنھ شعورنا بأننا قادرون على التعامل مع التحدیات الأساسیة التي نواجھھا في الحیاة، والشعور بالسعادة، وبأننا ذوو قیمة، وأننا نستحق السعادة. وھؤلاء الأشخاص الذین یتمتعون بقدر كبیر من الاعتداد بالنفس ھم ھؤلاء الذین یشعرون بأنھم مؤھلون للنجاح في حیاتھم. والاعتداد بالنفس الصحي وغیر الزائف ھو أن تشعر بأنك على ما یرام حتى لو لم تكن الأمور كذلك ظاھری̒ا.

أما احترام الذات فیتعلق بقیمتنا كأشخاص؛ یقین داخلي وشعور بالسعادة والنجاح في الحیاة والشعور باستحقاق جذب الحب واستقبالھ، والسماح لھ بالدخول في حیاتك. وھؤلاء الذین ینقصھم الاعتداد بالنفس یجدون أنھ من الأسھل أن یقدموا ھم الحب عن أن یستقبلوه.

فإذا كنت تتمتع بجھاز مناعة صحي، فھل یعني ھذا أنك لن تتعرض ً أبدا لوعكة صحیة؟ بالطبع لا،  ولكنك ستكون أقل عرضة للإصابة بالأمراض، كما أنك ستشفى سریعًا إذا مرضت في یوم من الأیام. وبالمثل، فإن التمتع بمستوى ٍ عال من الاعتداد بالنفس لا یعني أنك لن تتعرض ً أبدا للشعور بالقلق، أو الشقاء، أو الإحباط، أو بالانھزام أحیانًا، فمزایا أن تتمتع بقدر كبیر من الاعتداد بالنفس ھي أنك تتمتع بممتصات قویة للصدمات النفسیة، فإذا كنت تحاول بلوغ ھدف ما، واصطدمت بنھایة مسدودة في طریقك إلیھ، فستثابر وتعاود الكرة، وقد لا تنجح عدة مرات، ولكنك ستنجح أكثر مما ستفشل. لقد قال أحد كبار المدیرین لمجموعة من الناس كانت تحضر ندوة كنت أنظمھا: “لقد صرعتني الحیاة خمس مرات، ولكنني نھضت ست̒ا.” إن المدیر الناجح یفشل في المتوسط  بمقدار مرتین أو ثلاث مرات قبل أن ینجح أخیرا.

وھؤلاء الذین یعوزھم الاعتداد بالنفس قد یثابرون لبعض الوقت في بعض الأحیان، ولكنھم سیخفقون أكثر مما سینجحون. ِ ویولّد اعتدادنا بأنفسنا مستوى معینًا من الترقب والتوقع، وتصبح ھذه التوقعات نبوءات محققة لذاتھا.كثیرة من الحیاة، فإن ذلك الإحساس یظھر بشكل وبینما یظھر إحساسنا بالاعتداد بأنفسنا في مناح أكثر ً بروزا وباستمرار في العلاقات الشخصیة؛ فإذا كان الشخص لا یشعر بأنھ جدیر بالحب،فسیجد صعوبة في تصدیق أن ً أحدا آخر یحبھ، ً ودائما ما سیجد طریقة لھدم وتدمیر العلاقة بطریقة أو بأخرى، فھل حاولت من قبل أن تعرب عن حبك لشخص لا یشعر بأنھ جدیر بالحب؟ لیس ھناك ما یمكنك أن تقوم بھ لتجعلھ یقتنع بحبك لھ.

تكتسب قوة الشخصیة 1

توصل بجديد مقالاتنا في تطوير الذات عبر بريدك الإلكتروني

وتختلف مستویات اعتدادنا بأنفسنا باختلاف مجالات حیاتنا بالطبع، وسیتوافق كل من أدائنا، أو فاعلیتنا، أو نجاحنا مع اعتدادنا بأنفسنا في كل مجال، فعلى سبیل المثال، ربما كنت تتمتع بقدر كبیر من الاعتداد بالنفس كمدیر ومتحدث، وسیتوافق أداؤك أو مستوى كفاءتك مع اعتدادك بنفسك. 

وربما تتمتع بقدر ضئیل من الاعتداد بالنفس فیما یخص میكانیكیة الأشیاء، أو استبدال قطع الغیار، أو في تشغیل الأجھزة والمعدات، فتطلق على نفسك، أو یطلق علیك أصدقاؤك لقب “الأخرق” في ھذا المجال. وربما تتمتع بمستوى متوسط من الاعتداد بالنفس كوالد أو كزوج، وھنا ستتوافق كفاءتك في ھذا المجال مع مستوى اعتدادك بنفسك فیھ.

وإذا رسمت ̒ خطا بیانی̒ا یمثل جمیع مجالات حیاتك، ویتكون من عاملي ارتفاع مستوى الاعتداد بالنفس، وانخفاض مستوى الاعتداد بالنفس، فستنتھي الحال بھذا الرسم على شكل خط متعرج صعودا ً وھبوطا على الأرجح. وھنا یأتي دور علماء النفس، حیث یحسبون متوسط ھذا الشكل البیاني، ویخرجون بما یسمى بالعامل “ع،” وھو مستوى الاعتداد بالنفس العام.
وبالطبع فإن الاستفادة من تمارین بعینھا لتغییر ُ المعتقدات ُ المقیِّدة في مجالات حیاتیة محددة، وكذلك إعادة تأھیل وبرمجة عقلك الباطن بعبارات التعزیز والتخیلات الموجھة و/ أو التنویم الإیحائي الذاتي سیعمل أیضا على تحسین مستوى كفاءتك في كل تلك المجالات المختلفة.

ولذلك، فإن الاعتداد بالنفس سمة نكتسبھا بأنفسنا، أما مفھومنا الذاتي فھو أعم وأشمل من الاعتداد بالنفس، كما أنھ المظلة الجامعة، إن جاز التعبیر، التي تنطوي تحتھا معتقداتنا ومثلنا العلیا وصورتنا الجسدیة، التي تمثل ً جزءا ̒ مھما من مفھومنا الذاتي، وتشمل مسئولیاتنا وأصولنا وحدودنا وقدراتنا. واعتدادنا بأنفسنا أحد أھم مكونات مفھومنا الذاتي.

وقد استرعت أھمیة الاعتداد بالنفس الانتباه للمرة الأولى منذ أكثر من أربعین ً عاما مضت بعد طباعة كتاب جراح التجمیل الدكتور “ماكسویل مالتز” تحت عنونه Psycho Cybernetics في ھذا الكتاب، وصف الدكتور “مالتز” كیف أنھ یتطوع لإجراء عملیات تجمیل في السجن المحلي لمدة یوم واحد أسبوعی̒ا. وبعد عامین أو أكثر، ھاتفھ مأمور السجن، ودعاه إلى مكتبھ، وأشار إلى أن الرجال الذین أجریت لھم عملیات تجمیل لم یرتكبوا جرائم مرة أخرى، وبذلك فلم یعودوا إلى السجن بعد إطلاق سراحھم. وأدرك الدكتور “مالتز” أن المساجین شعروا بشعور أفضل حیال أنفسھم بعد أن تم تحسین صورتھم الجسدیة التي أشرت سابقًا إلى أنھا جزء مھم ̒ جدا من مفھومنا الذاتي. فتوصل الدكتور “مالتز” إلى أن الاعتداد بالنفس ھو “الاكتشاف
الأھم في القرن العشرین.” وعلى الرغم من ذلك، فإن ھذا التوصیف لا یسري بالضرورة على الكثیرین.

ففي كتابات لاحقة لھ، شرح الدكتور “مالتز” حالة سیدتین قامتا بإجراء جراحات تجمیلیة مؤثرة في وجھیھما، ولما حان وقت تقییمھما لشكلیھما بعد إزالة الضمادات وزوال التورم الناتج عن العملیات، نظرت كلتاھما وأعادتا النظر إلى نفسیھما، ثم قالت كل منھما في حزن ویأس واستنكار: “لا أبدو مختلفة ً كثیرا. لا، لم أتغیر ً كثیرا، ما زلت أشعر بنفس ما كنت أشعر بھ قبل ذلك حیال نفسي.” ھنا أدرك الدكتور “مالتز” أن الصورة الذاتیة شيء داخلي بالنسبة إلى الكثیر من الناس، ولیست تلك الزخارف الخارجیة التي نطلق علیھا اسم الجمال.

وعلى المنوال نفسھ، أتذكر مقابلة صریحة وصفت فیھا “إلیزابیث تایلور” نفسھا بأنھا “قصیرة وبدینة، وأمتلك فخذین مریعتین، فأنا أكره شكل أنفي، وعیناي بعیدتان عن بعضھما ً كثیرا، كما أنني لا أحب شكل وجھي. أحیانًا أتمنى لو أن باستطاعتي تغییر شكلي بالكامل.” ھذا وصف ذاتي لواحدة من أجمل نساء العالم عن نفسھا. ولا عجب أنھا قد ارتكبت ً عددا من السلوكیات المؤذیة للنفس: كالأكل بشراھة، وتعاطي المخدرات، وتناول المشروبات الكحولیة، وعرضت نفسھا لعدد
من الحوادث، وأجرت العملیات الجراحیة، وتزوجت ثماني زیجات، وھكذا. إن الاعتداد بالنفس ھو عملیة داخلیة وذاتیة بحتة.
وما أود الانتقال إلیھ الآن ھو وصف بعض خصائص تدني الاعتداد بالنفس. وحینما نعي بعض تلك الخصائص سنتمكن من تحقیق التغییر بالوعي والإدراك، كما ستتاح أمامنا فرصة التخلص من بعض العوالق النفسیة التي تلتصق بنا جمیعًا بدرجات متفاوتة في رحلة حیاتنا.

وأولى تلك الخصائص ھي تمثیل دور الضحیة. فمن یلعب دور الضحیة یتمتع بمستوى متدن من الاعتداد بالنفس وأحیانًا ما یكون اعتداده بنفسھ ً منعدما؛ فھو یشعر بالأسى على نفسھ، كما یشعر بأنھ قد ُظلم في ھذه الحیاة، ویشعر ً أیضا بأن الجمیع لا یقدرونھ حق قدره ویُسیئون فھمھ، وأنھم یُعاملون بطریقة غیر منصفة. والضحایا ً نادرا ما یعترفون بمسئولیتھم عن أي شيء؛ لذلك سیحاولون أن تقوم أنت بعمل الأشیاء من أجلھم، ً وكثیرا ما یحاولون التلاعب بالناس من خلال جعلھم یشعرون بالذنب تجاھھم؛ لیقوم ھؤلاء بإنقاذھم، َّ ولكن ھؤلاء “المنقذین” لن یستطیعوا القیام بالكثیر من أجلھم. ً ودائما ما یشعر الضحایا بأن ً أحدا ما قد خذلھم أو تخلى عنھم، حتى یتسنى لھم إلقاء تبعة فشلھم على الآخرین أو على الظروف.
ویعطي الضحایا قوة للماضي: “لو أنني حظیت بوالدین غیر َّ والدي، لو أن والدي كان غنی̒ا “…
 إنھم دائما ما یلقون باللوم على الآخرین، وھو نوع رخیص من القوة، القوة الوحیدة التي یمتلكونھا.

أود أن أقدم إضافة بسیطة ھنا. قد یشعر البعض بأن تدني الاعتداد بالنفس غالبًا ما یصیب ھؤلاء الذین یقفون عند الدرجات الدنیا من سلم الحیاة، ولكن منذ عامین، أتت َّ إلي إحدى السیدات ترتدي ملابس جلدیة سوداء اللون مطعمة بالسلاسل، وعلى وجھھا ترتسم تعابیر الغضب والانزعاج. وبینما كنت أدون تاریخ حالتھا، أخبرتني بأنھا كانت تتقاضى مبالغ من المال من رجال كانت تتولى إذلالھم ومعاملتھم معاملة سیئة. ُ وتساءلت بصوت مرتفع أي نوع من الرجال ھؤلاء الذین یعرضون أنفسھم لھذا القدر من الإذلال. قالت ھذه السیدة إن أحد العملاء لدیھا كان قاضیًا في محكمة علیا، وأن اثنین آخرین كانا رجلي أعمال ناجحین، وآخر كان محامی̒ا. صدمت من كلامھا.

وأخبرتني ً أیضا بأن ھؤلاء قد وصلوا إلى مكانة عالیة ̒ جدا في مجالات عملھم، ولكنھم لم یشعروا بأن ھذا ھو مكانھم. كانت تلك الجلسة تعد مفاجأة لي، وكان ذلك الیوم ھو أحد الأیام التي یتقمص فیھا المریض دور المعلم.

لننتقل الآن إلى الخاصیة الثانیة من خصائص تدني الاعتداد بالنفس وھي المظلومیة؛ فقد تربى الكثیر منا وارتبط بثقافة تمتدح مناقب التعلم من خلال الألم “لن تتعلم دون أن تتألم،” كما وقرت ثقافتنا الكفاح والنضال، وتتمثل أھم مناقب قادة الفكر الدیني في كفاحھم، والصعاب التي واجھوھا، والتضحیات التي قدموھا. لقد دخل ھذا في عقلنا الفائق حتى إن بعض الناس لا یشعرون بأنھم قدحققوا شیئًا إذا حققوه دون كفاح، أو نضال، وألم، والتعرض للفشل عدة مرات قبل تحقیقھ في النھایة، وھكذا. ولكن ِ لنلق نظرة متفحصة أكثر على بعض خصائص المظلومیة، حتى نستطیع تمییزھا، وإذا كانت تنطبق علینا، فنبذل ما بوسعنا للتخلص منھا.

وأولى خصائص المظلومیة ھي الشعور بأنك لست محل تقدیر، كأن تقول: “لا أحد یعلم ما أمر بھ، ولا أحد یعمل بكد مثلي، ولا أحد یقدر الصعوبات التي أواجھھا، والعقبات التي َّ علي أن أتخطاھا” … وھكذا.

وغالبًا ما یشعر المتظلمون بأنھم یلقون معاملة سیئة، أو لا یلقون التقدیر المناسب، كما أنھم ً یشعرون بنوع من الیأس، ودائما ما یشعرون بأن الآخرین لا یفھمونھم بالطریقة الصحیحة.

وثمة خاصیة أخرى من خصائص تدني الاعتداد بالنفس تحوم حول الإحساس بعدم الاستحقاق؛ الأمر الذي قد یؤخرك ویثبتك في الماضي، وعدم الاستحقاق ً أیضا یجعل من النجاحات المستقبلیة أمرا بعید المنال، كما أن ھذا الشعور یبطئ من الزخم الذي تكتسبھ في المستقبل من النجاحات التي تحققھا. إنھ یجمدك في الماضي، أو یأخذك إلى ما كنت علیھ قبل ذلك، ً بدلا من أن یأخذك إلى ما ترید الذھاب إلیھ.

ومن المھم أن تتأمل في صمت ھذه المسألة الخطیرة، وتولیھا عنایة خاصة، ً خصوصا أنھ قد ثبت أنھا قادرة على تأخیر الأشخاص، والتقلیل من إحساسھم بقیمة ذاتھم، وروح المبادرة والدافع إلى الإنجاز، ً فكثیرا ما أسمع كلمة: “أنا لا أستحق ،”… أو “أنا لست ً أھلا لـ،”… أی̒ا ما كان الأمر. وأنا في مكتبي أدون تاریخ مرضاي، وغالبًا ما یكون ھؤلاء ً أشخاصا متعلمین ومثقفین یشغلون مناصب مرموقة.

والخاصیة التالیة من خصائص تدني الاعتداد بالنفس وتقدیرھا، ھي الخزي، فلا یوجد إحساس یجرح النفس أو یصیبھا كما یفعل الخزي؛ فھو السبب الأساسي وراء الكثیر من الصراعات البشریة، فالأشخاص الذین كانوا یُعاملون باستھزاء وازدراء، وتخوین وتعسف، أو نبذ وخذلان، أو تعرضوا للعقاب ً كثیرا وھم أطفال، یعانون ً إحساسا متدنیًا بالإذلال، وعدم الاستحقاق. وینتھي الأمر ً أیضا بالأطفال أو البالغین الذین لم یلقوا التقدیر أو التعاطف بالأسف لوجودھم. ومدى الخزي الذي یشعر بھ الشخص ھو ما یحدد إذا ما كان من الأفضل معالجتھ بمساعدة طبیب نفسي محترف أم لا.

وبسبب الإحساس القوي بالشك وانعدام الثقة بالنفس، فإن من یرتكزون على دعائم ھشة دائما ما یعتذرون عن آرائھم، أو عن وجودھم، وسینحنون أمام الناس فقط لإرضائھم كي یتجنبوا أي نوع من أنواع الرفض. وعلى المنوال نفسھ، فإن من یعانون تدني مستوى اعتدادھم بالنفس یخشون التغییر؛ وذلك لأن منطقة الراحة الخاصة بھم تكون ضیقة، ً ونادرا ما یحاولون التغیر
والخروج من ھذه المنطقة لمواجھة شخص قد تختلف آراؤه معھم.

ولأن الطیور على أشكالھا تقع، ً ونظرا إلى انعدام الأمن الداخلي عند ھؤلاء الأشخاص، فإن من یعانون تدني مستویات الاعتداد بالنفس ً دائما ما تنتھي بھم الحال مع أشخاص مثلھم تم ً اما، ً فنادرا ما ترى ً شخصا یتمتع بمستوى مرتفع من الاعتداد بالنفس یقبل بالزواج من شخص لیس لدیھ أي اعتداد بنفسھ. وأحیانًا ما تنتھي الزیجات أو العلاقات؛ لأن أحد الشریكین قد قرر أن یكون أفضل مما ھو علیھ، فنجد ھذا الشخص یلتحق بالدورات، ویقرأ الكتب، ویحضر الندوات، وبینما ینضج
وتصبح قوتھ الذاتیة أكبر، یكتشف أن القلیل فقط ھو ما یربط بینھ وبین شریك حیاتھ الذي قرر أن یبقى في منطقة راحتھ؛ لذلك نجد أن أمثال ھؤلاء عادة ما یرحلون ویتركون شركاءھم.

وكما ذكرنا سابقًا، فإن الأشخاص الذین یعانون تدني مستوى الاعتداد بالنفس، یسعون إلى الحصول على قیمة لأنفسھم من خلال تحقیق الشھرة وكسب رضا الناس، فنجدھم یمتلكون الكثیر من الأشیاء، كما یحاولون أن یُحسنوا مظھرھم بإجراء العملیات التجمیلیة، أو الانتھاكات الجسدیة.

تكتسب قوة الشخصیة 2

وھذه الأشیاء تجعلنا نشعر بالتحسن، ولكنھ یكون شع ً ورا مؤقتًا، كما أن تغییر جزء من جسد الشخص یمكن أن یسھم في زیادة إحساس الشخص بقیمتھ، ولكن أقولھا مرة أخرى، من الأفضل تغییر الاعتداد بالنفس من الداخل للخارج ولیس العكس.
وأنا أعتقد أن كل شخص في العالم یعاني بعض المشكلات والشكوك والتساؤلات حول ثقتھ بنفسھ واعتداده بذاتھ. والسبب في أننا نشاركك ما قمنا بذكره في الكتاب حتى ھذه اللحظة ھو أن تقوم بجرد لكل ما یتعین علیك تغییره، أو التوقف عن فعلھ، حتى یتسنى لك بناء شخصیة قیمة، وزیادة قیمة تلك الشخصیة! وتذكر أن
الاختیار أھم من ُمعتقداتنا التي تشكل حجر الأساس في وجودنا في ھذا العالم! فیمكننا أن نختار أن نبقى في الوضع الحالي، أو في منطقة راحتنا، أو أن نجرب قلق
التغییر، فنخلق ً مسارا حیاتی̒ا مختلفًا. ومن الجلي في اختیارك قراءة ھذا الكتاب أنك قد قررت التخلي عن المعتقدات القدیمة وبث الحیاة في الجدید منھا.

وإلیك ً تذكیرا ً مختصرا عن كیف أن ما یقرب من ٧٠ألفًا من المستقبلات النشطة الموجودة على خلایانا تستجیب لترددات أو إشارات معینة. بعض ھذه المستقبلات تستجیب للبیئة الخارجیة المحیطة بنا، ولكن ً كثیرا من ھذه المستقبلات مبرمج على الاستجابة لذبذبات وترددات توجھاتنا الفكریة ُ ومعتقداتنا. وحینما نوقف نحن التردد الذھني للمعاناة والمظلومیة، ً مثلا، فستتوقف ھذه المستقبلات عن إطلاق ھرمونات التوتر. وحینما نبدأ بث الحیاة في سلوكیات جدیدة، سواء إذا تمثلت تلك السلوكیات في المزید من حب الناس، أو المزید من التسامح، أو تقلیل الرغبة في المصادرة على الآخرین، فسوف تستجیب ُمستقبلات أخرى للترددات الجدیدة، والذبذبات الأكثر تحفیزا، وستطلق دفقات من جزیئات العافیة والشعور بالسعادة، التي ستسھم بدورھا في خلق إحساس أكبر بالثقة بالنفس لتقبل المجازفة بإجراء التغییرات المطلوبة في حیاتنا.

لننتقل الآن ونل ِق نظرة على بعض السمات التي یشترك فیھا أولئك الذین یتمتعون بدرجة كبیرة من الاعتداد بالنفس بنسب متفاوتة. أما السمة الأولى، فھي أن ھؤلاء الأشخاص ً دائما ما یبحثون عن تحدیات ومحفزات الأھداف الجدیرة بالاھتمام، التي تستحق بذل الجھد في سبیل تحقیقھا، ولا شك في أن الأھداف ھي الدافع وراء كل الأنشطة التي یقوم بھا البشر، ولیس من الضروري ولا من الممكن كذلك أن نحقق كل الأھداف التي نحلم بھا، ولكنھا تساعدنا على أن نصبح أفضل مما كنا علیھ. والأھداف كالأحلام، ویسمح الكثیر من الناس لأنفسھم بالدخول في أحلام الآخرین، ً بدلا من أن یحلموا بمستقبلھم ھم.

وھناك طریقتان لإنشاء واقعنا: أن نضع الأھداف ونصمم ً مستقبلا أفضل، أو أن نسمح لأي شيء یأتي في طریقنا بأن یشكل واقعنا. والطریقتان تعملان. والأشخاص الذین یتمتعون بدرجة كبیرة من الاعتداد بالنفس یحبون أنفسھم بشكل ٍ كاف یجعلھم یحلمون ویخلقون ً مستقبلا أفضل یسیرون إلیھ.

ویدرك ھؤلاء الأشخاص ً أیضا أن الأشیاء المادیة كالسیارات الفارھة، أو القصور الفخمة ھي عرض من أعراض النجاح، ولكنھا لیست النجاح الحقیقي؛ فالنجاح الحقیقي یمثل ً أمرا جوھری̒ا في الطریقة التي تعامل بھا نفسك، أو عائلتك، أو الآخرین.

ومن یتمتعون بمستوى ٍ عال من الاعتداد بالنفس یعیشون حیاتھم یحلون المشكلات، ویكنون احتراما للحقائق والوقائع؛ لكونھم حاضرین في ھذه اللحظة من الزمن عندما یتحدث إلیھم أحدھم. 

إنھم شغوفون بالوعي بأنفسھم، وكذلك للتشخیص الصادق لذاتھم ولعالمھم الداخلي ولیس الخارجي فقط، كما أنھم لا یُخدرون أنفسھم بالنكران، ولا بالمخدرات الأخرى كتعاطي المخدرات ومعاقرة الكحولیات.

والأكثر أھمیة، أنھم لا یترددون في مسامحة أنفسھم والآخرین؛ فھم یطلقون سراح الماضي، ولا یحاولون جعل الوقت الحالي یتكیف مع الماضي عن طریق حمل الضغائن والأحقاد، والسعي إلى الانتقام. إنھم یدركون أن المساجین لیسوا ھم من یقضون أغلب أوقاتھم في السجن، ولكن حارس السجن ھو المسجون الحقیقي؛ لأنھ ھو من یقضي جل وقتھ في السجن. فإذا كنت تبقي أحدھم رھینة لمشاعرك، إذن فستصبح أنت السجین؛ لذلك، وكما ذكرنا سابقًا، فإن كل أنواع الشفاء لا بد
من أن تمر من باب العفو والتسامح.

وثمة میزة أخرى للأشخاص الذین یتمتعون بدرجة كبیرة من الاعتداد بالنفس، وھي أن الناس الذین یقدرون أنفسھم یقدرون الآخرین، ویُعاملونھم باحترام ً أیضا، فلن تسمع ً أبدا تعلیقات تفید التحیز العرقي من أشخاص یشعرون تجاه أنفسھم بمشاعر إیجابیة. إنھم یفضلون إضفاء الشرف والاحترام على الناس بصرف النظر عن توجھاتھم، أو ُمعتقداتھم الدینیة، أو أعمارھم، أو
أعراقھم.

وكما أشرنا سابقًا، فإن الأشخاص أصحاب الثقة الكبیرة بالنفس یكونون علاقات مزدھرة، ولیست علاقات ضارة؛ فھم یتمتعون بمھارات تواصل صادقة ومنفتحة، ویبحثون عن الصفاء في العلاقات بدلا من الخوف منھ. وإذا أبدوا رأیًا في حدث ما، فإنھم یتحملون مسئولیة مشاعرھم، ً وبدلا من أن یلوموك “أنت،” سیعبرون عما یشعرون بھ بجملة، مثل: “أنا أشعر بھذا نتیجة ما حدث.”

ثمة مكون آخر یتمثل في التواضع، وھذا لا یعني التواضع الزائف، أو تزییف حقیقتك، ولكن بصرف النظر عن عدد المرات التي رأیت فیھا ً شخصا ً ثرثارا أو ً متسلطا، م ً ثلا، فإن التواضع ھو أن تكون ً منفتحا على كل لحظة في الحیاة كأنھا شيء جدید عن طریق عدم الحكم على كذا وكذا بأنھ شيء مزعج، والأھم من ذلك، أن التواضع ھو أن تدع ھذا الشخص أو ذاك یكون مختلفًا ھذه المرة؛ فالتواضع ھو أن ترى كل لحظة وكل تجربة شیئً ً ا جدیدا دون المصادرة علیھ بحكم مسبق.

والإیثار سمة أخرى من سمات الاعتداد بالنفس، وھو أن تكون على استعداد لمساعدة الآخرین أو خدمتھم، سواء كان عن طریق العمل التطوعي، أو عن طریق لَ ِع ِب دور الأخ الأكبر، أو الأخت الكبرى، أو أی̒ا ما اخترت أن تفعل لتسھم في خلق إحساس أكبر بالسعادة، أو بالحماس، فقد ذكرت السیدات اللائي شاركن في أحد برامج الإعانة الاجتماعیة أنھن قد شعرن بالارتیاح الداخلي العمیق، وبالابتھاج كذلك، والثقة بالنفس، وقل شعورھن بالإحباط والإحساس بالآلام والأوجاع، وذلك عن طریق التطوع في خدمة المسنین في دور الرعایة.

والأشخاص الذین یتمتعون بدرجة كبیرة من الاعتداد بالنفس یتمتعون بدرجة كبیرة من الإحساس بالمسئولیة أی ًضا. وسأعطیك ً مثالا على ذلك. منذ فترة لیست بالبعیدة، اتصل بي أحد الأصدقاء، وعرض َّ علي أن یدعوني إلى الغداء، في مقابل أن یحدثني عن شعوره بعد ھجران زوجتھ لھ، فقلت في نفسي: “آه، إنھ یود أن یلقي باللوم علیھا، ویرید أن یشعر ببعض الشفقة على الذات.”

وھذا أكثر من أن یتحملھ تواضعي. ولكن ً بدلا من ذلك، وعلى الرغم من حزنھ وحسرتھ، قال لي: “لقد عرفتني طوال سنوات، وكنت معي في العدید من المناسبات. فما الذي كنت أقوم بھ، أو ما الذي كان بمقدوري القیام بھ أو عدم القیام بھ، بخصوص التعامل مع زوجتي؟” كنت على وشك البكاء تقریبًا؛ لأنني شعرت بألمھ, ومع ذلك، فقد كان یرید أن یتحمل مسئولیة ما حدث ً بدلا من أن ینھك قواه في إلقاء اللوم على زوجتھ، أو في الشعور بالشفقة على ذاتھ. بعبارة أخرى، لقد علم صدیقي ھذا أنھ مسئول عن تشكیل حیاتھ وواقعھ، وأن أی̒ا كان ما فعل أو لم یفعل، ھو ما انتھى بھ إلى ھذا الفصل الحزین في حیاتھ. ولكنھ أفضى بھ ً أیضا إلى تعلم الكثیر عن نفسھ وعن شخصیتھ بمرور الوقت.

كما أن من یتمتعون بدرجة كبیرة من الاعتداد بالنفس منفتحون أكثر على المشاعر الروحانیة أیضا، وعلى الإحساس بالتواصل مع كل الكائنات الحیة كالبشر وغیرھم، ومنفتحون ً أیضا على إدراك أن ھناك قوة أعلى، وعلى كیفیة زیادة تواصلھم مع تلك القوة الخلاقة، كما یكنون ً أیضا تقدیرا أكبر بسبب ما ھم فیھ من نعم، ولكیفیة العطاء للآخرین وحبھم أكثر. إن معاني الروحانیة
كثیرة بالطبع بكثرة الناس، وأنا واثق بأنك ستجد طریقة تفسر بھا ھذا التعریف لنفسك.

 وأخیرا، فإن من یتمتعون بدرجة كبیرة من الاعتداد بالنفس سیدافعون عن تألقھم وتألق الآخرین بدلا من مدافعتھم عما یقوضھم. 

ولكن ما الذي یمكننا فعلھ على المستوى الواعي لشحذ قوتنا الذاتیة الداخلیة دون أن نقضي سنوات في العلاج النفسي، أو الاستكشافات النفسیة؟ ھل یمكن تبسیط وترشیح كل ما ذكرناه سابقًا؟

نعرض فیما یلي أربع سمات للاعتداد بالنفس، التي أشاركھا مع كل مرضاي؛ ً نظرا إلى أنھ یمكن  التحكم في ھذه السمات وإدارتھا بالعقل الواعي.

فمن یتمتعون بدرجة كبیرة من الاعتداد بالنفس لدیھم حدود مثالیة، وباستطاعتھم أن یقولوا “لا” لكل ما یرون أنھ لا یتناسب معھم. بعبارة أخرى، ھم یختارون أن یعرفوا أنفسھم، وحاجاتھم، ومعتقداتھم، بدلا من التخلي عن قوتھم والسماح للآخرین بتعریفھم.

ثانیًا، وربما ھو الأكثر أھمیة، أن ھؤلاء الأشخاص یتجنبون إصدار الأحكام بأي شكل من الأشكال. لا بأس بحسن التمییز، ولكن عندما تحكم على شخص ما، فأنت تحكم على جزء من نفسك فیھ، ولا توافق على ھذا الجزء فیك أنت؛ فالأحكام تحجز على جزء منك في الماضي، وتحجب بصرك عن شخصیتك الحقیقیة. وبذلك، فإن كل الأحكام التي نصدرھا على الآخرین ھي
ضمنی̒ا أحكام نصدرھا على أنفسنا، ولكي تتعلم كیف تحب نفسك لا بد من أن تتعلم كیف تحب الآخرین.

ثالثًا، وكما ذكرنا سابقًا، فإن حدیث النفس أو الحدیث الداخلي یغطي من ١٥٠حتى ٣٠٠كلمة بالدقیقة تقریبًا خلال ساعات الاستیقاظ، أو ما یساوي ٤٥ألف كلمة حتى ٥٠ألفًا یومی̒ا! وبما أن العقل الباطن یعامل جمیع الأفكار معاملة “الصلوات” )فھو لا یُمیز،( فما الذي “تصلي” أنت من أجلھ طوال الیوم؟ ومن یتمتعون بدرجة كبیرة من الاعتداد بالنفس یراعون طبیعة حدیثھم لأنفسھم بانتباه؛ لیعرفوا إذا ما كانوا “یخدرون” عقولھم طوال الیوم بأفكار جیدة أو بأفكار سیئة. ھل نقوم بزراعة الحشائش الضارة في حدیقة عقلنا الباطن، أم نقوم بزراعة الأزھار؟ ورابعًا، فإن الأشخاص الذین یتمتعون بدرجة كبیرة من الاعتداد بالنفس یشعرون بأنھم جدیرون بإعطاء الناس والأخذ منھم على حد سواء. وعامة، سیكون ھؤلاء الذین یعانون مستویات متدنیة من الاعتداد بالنفس ً أشخاصا “یسعون إلى إرضاء الآخرین،” وسیكونون كثیري المجاملة، حتى لا یغامروا برفضھم من قبل الآخرین عند التعبیر عما یدور في عقولھم. وفي بعض الأحیان، فإن الحالة الوحیدة التي یمكن أن یبرر فیھا ھؤلاء الأشخاص لأنفسھم الأخذ من الآخرین ھي عندما یتعرضون لحادثة، أو عندما “یمرضون”؛ الأمر الذي یجعل من المقبول بالنسبة إلیھم أن یرعاھم الآخرون.

ولحسن الحظ، فبإمكاننا التحكم في كل ما ذكرناه سابقًا بالعقل الواعي، بأن تُعطي الآخرین من قلبك، وأن تحتفي بنفسك وبالآخرین دون أیة أحكام أو تمییز.

والأفكار السلبیة ُ والمقیدة للذات ھي العدو الحقیقي الذي لا بد لنا من مواجھتھ؛ فھذا العدو یضعف روحنا وعقلنا وإحساسنا بأنفسنا، والطریقة التي نقدر بھا ذاتنا؛ أي ثقتنا بأنفسنا.

وعادة ما یسألني الناس: “ھل كل ھذا القلق حول الاعتداد بالنفس الذي ظھر مع العصر الحدیث ھو أمر جدید فقط؟” نحن جمیعًا نعلم الحكمة العظیمة التي تقول: “حب لأخیك ما تحب لنفسك،” ولا یمكنك أن تحب أخاك إن لم تكن تحب نفسك؛ ففاقد الشيء لا یُعطیھ.

وھنا تنتھي مساھمة زمیلي لي بولوس التي لا تقدر بثمن. أشكرك ً جزیلا یا لي بولوس على ھذه المساھمة الرائعة.
إن من یتمتعون بدرجة كبیرة من الاعتداد بالنفس یعرفون ھذه الأفكار. إنھم یفھمون ھذه المبادئ، كما یطبقون الأدوات التي أجملناھا في ھذا الكتاب لكي یرتقوا بمستوى ثقتھم بأنفسھم. 

ومن أبدع عبارات التعزیز التي تستطیع بھا الارتقاء بمستوى اعتدادك بنفسك: “أنا أحب نفسي دون قید أو شرط.” “أنا لا أقلل أبدا من قیمة نفسي ) أو الآخرین بالنقد الھدام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى