العقل الباطن

ماهي العلاقة بین العقل الواعي والعقل الباطن ؟

ماهي العلاقة بین العقل الواعي والعقل الباطن ؟ . یقول الدكتور “میرفي” : یرجع السبب في وجود ھذا الكم الھائل من الفوضى والبؤس في ھذا العالم إلى عدم فھم الناس
طبیعة التفاعل الذي یحدث بین عقلھم الباطن وعقلھم الواعي، فعندما تعمل ھاتان القوتان معًا بتناغم وتوافق وسلام وتزامن، ستحظى بالسعادة والصحة والسلام، ولن تكون ھناك أیة أسقام، أو تضاربات. عندما یعمل العقل الباطن مع العقل الواعي بتناغم وسلام.

والآن لننظر من كثب إلى التفاعل الذي یتم بین العقل الواعي والعقل الباطن الذي یتحدث عنھ الدكتور میرفي، ونرى كیف أن البیانات ُ المخزنة في العقل الباطن تحدد بشكل كبیر القرارات التي نتخذھا، وطبیعة سلوكنا.ھناك ثلاث مناطق في العقل تُشكل المنبع الأساسي لطریقة تفكیرنا وإبداعنا وكیفیة اتخاذنا القرارات بالصورتین الواعیة واللاواعیة. وھذه المناطق الثلاث ھي: العقل الواعي، والعقل الباطن، والعقل الفائق. وھذه المناطق لا تشكل ثلاثة عقول منفصلة، ولكنھا تشكل ثلاثة مجالات
للعقل البشري.

العلاقة بین العقل الواعي والعقل الباطن ؟ 3

وعندما حضرت ندوة أنشطة إداریة )التي أطلق علیھا اسم أومیجا فیما بعد( في عام ،١٩٦٩كما أشرت في ُمقدمة الكتاب، أتذكر أن مؤسس ھذه الندوة الدكتور “جون بویل” یتجھ ناحیة السبورة، ویرسم الدوائر الثلاث التالیة التي ستجدھا في الصفحة التالیة.

وھذا ھو ما تعلمتھ من شرحھ كیفیة تفاعل مناطق العقل الثلاث ھذه. سنبدأ بالعقل الباطن. فواحدة من الوظائف الأساسیة للعقل الباطن ھي تخزین البیانات، إنھا تلك المساحة من العقل البشري التي تسجل الذكریات وتخزنھا. ویمكننا أن نتخیل أن العقل الباطن ھو القرص الصلب بلغة الكمبیوتر. والمذھل في الأمر أن كل شيء، رأیناه أو سمعناه، أو عشناه، أو شعرنا بھ بعد المرور بمثل ھذه الخبرات منذ ولادتنا حتى الآن، ُم َّ خزن في عقلنا الباطن، أو وحدة التخزین، كل شيء. ویمكن أن نستعید ما “نسیناه” مرة أخرى من خلال استخدام بعض التركیبات الكیمیائیة، أو التقھقر العمري بالتنویم المغناطیسي؛ حیث یستخدم الكثیر من الأطباء النفسیین التنویم المغناطیسي كأسلوب لإعادة استكشاف التجارب المؤلمة التي حدثت في الطفولة المبكرة وربما لا یزال لھا أثر سلبي، أو أثر ضار في سلوك الفرد بعد البلوغ، وغالبًا ما تتشكل حالات الرھاب )الفوبیا( والمخاوف التي تضرب بجذورھا عمیقًا فینا، في الصغر، وبعد البلوغ، ننسى من أین أتت تلك المخاوف؛ ولكننا نعلم علم الیقین أن ظروفًا أو مواقف بعینھا تُثیر فینا سلوكیات غالبًا ما تكون غیر منطقیة إلى حد كبیر.

1

بالإضافة إلى ذلك، فإن أنماط عاداتنا السلبیة تُختزن في عقلنا الباطن؛ لذلك تخیل أن ھذا ھو شكل العقل الباطن.

2

توصل بجديد مقالاتنا في تطوير الذات عبر بريدك الإلكتروني

وكما سنعرف الآن، فإن البیانات المخزنة في عقلنا الباطن تحدد شكل تصرفاتنا وسلوكنا بشكل كبیر، وبما أن أحدنا لم یمر بالتجارب نفسھا التي یمر بھا الآخرون في الحیاة، ولم یتعرض لبیانات كالتي تعرض لھا الآخرون، فلا یمكن أن نتوقع أن نجد اثنین منا یتصرفان بالطریقة نفسھا ً أبدا. 

وغالبًا ما یكون ھذا ھو السبب في أننا نعتقد أن أحدھم مجنون، أو أن ھناك خطبًا ما لدیھ، عندما نرى أنھ یتصرف في موقف ما بشكل مختلف عما كنا سنفعل نحن لو كنا في الموقف نفسھ، فكل سلوكیاتنا مشروطة بالبیانات التي جمعناھا طوال حیاتنا، التي تثیر استجابتنا.

وتحدث أربعة أشیاء أساسیة في مستوى العقل الواعي:

  1. تدرك حواسنا المثیرات الواردة.
  2. نمر بمرحلة من المقارنات أو المفاضلة أو التمییز.
  3. نحلل ما قمنا بتمییزه.
  4. نتخذ قرارا إما بالتصرف أو برد فعل أو بعدم التصرف.

3

لنشرح كل واحدة من ھذه الوظائف. وسنستخدم النموذج التالي لتسھیل الشرح والتوضیح: 

1 – الإدراك. تدرك حواسنا المثیرات الواردة بالعقل الواعي؛ فنحن نرى ونسمع ونتذوق الأشیاءً (كما نتمتع أیضا بكثیر من الحواس، التي تتخطى الحواس الخمس الأساسیة التي ما زالت تُدرس في المدارس. على سبیل المثال، الحدس، والشعور بالتوازن، إلخ.)

2 – المقارنة. وفي الوقت نفسھ، نلجأ إلى العقل الباطن لتحدید طبیعة ما نتلقاه وتمییزه. ھل ھو سیارة؟ ھل ھو طائرة، أم قارب، أم طائر، أم فیل، أم نوع من الأطعمة، أم صدیق، أم عدو، أم أنھ شيء لا نمتلك عنھ أیة بیانات؟

3 – التحلیل. بمجرد أن نستعید البیانات التي تخبرنا بطبیعة ما نتلقاه، نسأل أنفسنا: “ھل ھذا  شيء جید؟ أم سیئ؟ وھل سیجعلني سعیدا؟ أم حزینا ؟ أم مرتاحا؟” إلخ.

وكما ذكر سابقًا، فإن الأطفال یتعلمون من مصدرین أساسیین: 

• تقلید أحد الأبوین أو كلیھما  بما أن الوالدین ھما المصدر الأساسي للحب والحنان، فإننا سنقوم بأي شيء لكي ننال رضاھما.

• التوجھ نحو ما یجعلنا نشعر بالارتیاح والابتعاد أو تجنب كل ما قد یتسبب في شعورنا بعدم الارتیاح.

4 – القرار. بمجرد أن ننتھي من ھذا التحلیل الداخلي، سنقوم باتخاذ قرار إما بعمل شيء ما، أو باتخاذ ردة فعل، أو بعدم القیام بشيء على الإطلاق.لذلك، فالخلاصة ھي أننا جمیعًا نقوم باتخاذ قرارات تستند بشكل كبیر إلى الخبرات السابقة التي
مررنا بھا، أو البیانات التي استعدناھا عن شيء ما قد یكون حقیقی̒ا، أو غیر حقیقي. وتشتمل ھذه  البیانات أیض ُ ا على معتقداتنا، وتوجھاتنا، وآرائنا التي نشكلھا منذ ولادتنا حتى یومنا ھذا، التي ربما ثبت عدم صلاحیتھا. ویصبح الكثیرون منا “سجناء” بیاناتھم؛ فالبیانات التي لدینا، أو عقلنا الباطن مثل البرامج التي “تُشغلنا” حرفی̒ا، فنحن جمیعًا نعمل باستخدام برامج بعینھا )مثل “أنظمة ً الاعتقاد(” ربما ثبت عدم صلاحیتھا تماما.

وكما یقول المؤلف الأمریكي الحاصل على وسام الحریة الرئاسي إیریك ھوفر في جملتھ الرائعة: علینا أن نكون منفتحین على التغییر، فنتعلم عنھ، ونتكیف معھ؛ لأن ھؤلاء المتمسكین بقناعاتھم في الوقت الذي تحدث فیھ التغیرات، سیجدون أنفسھم یعیشون في عالم لم یعد موجودا.

نحن جمیعًا نعرف ھؤلاء الذین لا یسمحون بمناطق “رمادیة” في حیاتھم، فكل الأشیاء أمامھم إما بیضاء أو سوداء. إنھم یمتلكون آراء معینة، ومؤكدة ̒ جدا عن كل شيء تقریبًا، ولا یُ ْب ُدون إلا ً قلیلا من الاھتمام بالتفكیر في وجھات النظر  المختلفة، أو أیة معلومات أو بیانات قد تتسبب في أن یغیروا وجھات نظرھم أو آراءھم.

أما ھؤلاء الذین “یسعون إلى التعلم ً دوما” فیرون أن عملیة التعلم ھي عملیة مستمرة طوال حیاة الإنسان، وھم د ً ائما في حالة بحث عن بیانات جدیدة تختبر افتراضاتھم الموجودة عندھم سابقًا، كما أنھم ً دائما ما یكونون على استعداد لأن یتعمقوا في تحلیل البیانات التي تحتویھا وحدة الذاكرة في عقلھم الباطن، لیحددوا ما “البرامج” التي قد تكون بحاجة إلى التحدیث، وما البیانات العتیقة التي قد تكون خاطئة، وقد تتسبب في اتخاذھم قرارات قد لا تخدم مصالحھم. وھؤلاء الأشخاص أنفسھم
ً دائما ما یكونون في حالة تحقق، والعثور على الصواب أھم بالنسبة إلیھم من أن یكونوا “على صواب.”

العلاقة بین العقل الواعي والعقل الباطن ؟ 1

لنر ردة فعل ثلاثة أشخاص مختلفین ً تماما في موقف واحد متماثل، لیس ً بناء على صدق أو حقیقة الموقف، ولكن ً بناء على خبراتھم السابقة. تخیل أنني أقوم بإلقاء محاضرة عن موضوع أكتب عنھ حالی̒ا، وأطلب من الحضور أن یصعد ثلاثة متطوعین منھم على المنصة، فتتطوع ثلاث سیدات، “ماري” و”سالي” و”جین”؛ فأطلب منھن أن یجلسن على طاولة مستدیرة، وأخبرھن بأننا سنتحدث عن الثعابین، وعن نوع منھا على وجھ الخصوص یسمى “الأفعى المخططة،” وأخبرھن بأن ھذا
النوع لیست لھ أسنان، ولا یمكنھ أن یعض أحدا، ولا یأكل الحشرات، ثم أكمل حدیثي بتأكید أنھ لیس ھناك سبب منطقي یدفع أحدھم إلى الخوف من ھذا النوع. من حیث المبدأ توافق السیدات الثلاث على كلامي. ٍ عندئذ أقول: “حسنًا، بما أننا نعترف الآن بأنھ لیس ھناك أي سبب منطقي یدفع أحدھم إلى الخوف من ھذا الثعبان، فسأقدم لكم حیواني الألیف لاري،” وأخرج من حقیبتي ثعبانًا حی̒ا وأضعھ على الطاولة.

وقبل أن یصل الثعبان ولو إلى سطح الطاولة، تنتفض “ماري” في الھواء مطلقة صرخة عالیة ̒ جدا، بینما تھرب من فوق المنصة، وتتجھ إلى الممر الخارجي، ثم تنصرف ولا نراھا مجددا.

ماذا حدث حالا؟ حسنًا، لنتناول النقاط الأربع التي كنا نتحدث بشأنھا من فورنا. 

1 – الإدراك. تدرك الحواس، والحاسة المستخدمة في ھذه الحالة ھي عیناھا، صورة شيء حي طویل ونحیل یتحرك بنمط متعرج.

2 – المقارنة. تلجأ “ماري” إلى عقلھا الباطن )بنك الذاكرة،( وتجد بعض البیانات التي تخبرھا سریعًا بأن ھذا “ثعبان.”

3 – التحلیل. لكي تحدد “ماري” إذا ما كان ھذا الشيء سیشعرھا بالراحة، ویجلب لھا السعادة أم أنھ سیشعرھا بعدم الراحة، فإن الأمر تطلب ً جزءا من الثانیة لتستحضر الصورة المسجلة في عقلھا الباطن عن ھذا الصبي الصغیر الذي یدعى “جیمي جنسن،” الذي كان یطاردھا بثعبان مخطط وضعھ على ظھرھا عندما كانا في الصف الثالث. ھنا اتخذت “ماري” ً قرارا یسري طوال حیاتھا بأنھا لن تقترب من ثعبان بعد ذلك ً أبدا. وفي الحقیقة، إذا كانت “ماري” تشاھد ً فیلما، وظھر ثعبان على الشاشة، فستغلق عینیھا، أو ستترك الغرفة كلھا. فكر في ھذا. یمكن لصورة في مجلة لھذا الشيء أن تسبب لھا قلقًا ً وتوترا ً كبیرا، مجرد صورة ولیس ثعبانًا حقیقی̒ا. وھذا ً بناء على شيء حصل لھا في الماضي، ولیس ً بناء على حقیقة الموقف )كأن الثعبان سیقفز من الصورة وسیخنقھا.( وقبل أن نضحك على سلوك “ماري” وتصرفھا، فكن ً متأكدا أن لكل منا “ثعبانھ” الخاص الذي یجعلنا نأتي بتصرفات غیر منطقیة في مواقف معینة.

4 -القرار. ھذا واضح ً تماما، ً فبناء على تحلیلھا السریع، تتخذ “ماري” ً قرارا تفاعلی̒ا وتقول: “حسنً ُ ا یا قوم. سأھرب،” متبعة ذلك بصرخات، بینما تجري في الممر إلى خارج البنایة كلھا. 

والآن لنر كیف ستتصرف “سالي” في ھذا الموقف. لقد نشأت “سالي” في مزرعة، وكانت تعیش بین الحیوانات طوال حیاتھا. إنھا تحب الحیوانات، ھل تعلم ما نوع الحیوانات المفضل لدیھا؟ 

أجل، الثعابین. في الحقیقة، إنھا تمتلك أصلة البواء العاصرة )نوع من الثعابین الطویلة، التي تقتل فریستھا عن طریق العصر( كحیوان ألیف لھا، وتحب أن تبقیھا في منزلھا حیث تقطن. )لا یحب أحد أن یزورھا في منزلھا الآن.(وھكذا تمر “سالي” بعملیة اتخاذ القرار نفسھا كالتي مرت بھا “ماري:”

تدرك حواس/عینا “سالي” الثعبان.

بالمقارنة، تحدد أن ھذا الشيء “ثعبان.”

التحلیل السریع یثیر إحساسا بالمودة.

تتخذ سالي ً قرارا بالتقدم تجاه الثعبان وإمساكھ وتقبیلھ وفعل ما یفعلھ الأشخاص الذین یحبون الثعابین.

والآن ننتقل إلى “جین.” ذُھلت “جین” من ھذا الموقف ً تماما ولعلھا تتساءل الآن، ما الذي جعلھا تتطوع وتصعد إلى المنصة. إنھا لا تحب الثعابین، ولكنھا لا تعاني الخوف منھا؛ لذلك “لم تتصرف” جین أو لنقل إنھا ظلت محایدة طوال الموقف.

وھكذا في ھذا المثال الصغیر نجد أنفسنا أمام ثلاثة أفراد یقدمون ثلاث استجابات مختلفة لموقف واحد، لیس بنا ًء على حقیقة الموقف أو صدقھ، ولكن ً بناء على الخبرات الشخصیة أو البیانات ُ المدخلة التي تتعلق بالموقف. خلاصة القول، إننا جمیعًا نتخذ قرارات تستند لیس إلى الإمكانات غیر المحدودة المتاحة أمامنا جمیعًا، ولكنھا تستند بشكل كبیر إلى الأحداث والمعلومات التي خزنَّاھا من الماضي. كم عدد المرات التي جلست فیھا وجردت نفسك من كل التوجھات والآراء والمشاعر و”الحقائق،” وخمنت كیف تود أن تفكر أو تشعر بشكل مختلف حیال بعض ھذه الأشیاء.

المشكلة أن معظم الناس لا یفعلون ھذا؛ لأنھم لا یعرفون كیف یتغیرون. إنھم یستسلمون ویخضعون لتقییم ذاتي، وحدیث نفسي یقول: ً “دائما ما كنت ً جیدا في … ، ً ودائما ما كنت سیئًا في .”… ثم یواصلون طریقھم في الحیاة بالطریقة نفسھا التي كانوا یستخدمونھا. إنھم تقریبًا كالإنسان الآلي الذي تكون أفعالھ محددة مسبقًا في المنطقة الواعیة من عقلھ، التي تواصل إعطاء التعلیمات لتلك المنطقة اللاشعوریة أو الباطنة.

إن العقل الباطن ھو آلیة أوتوماتیكیة التحكم، وتعمل طوال الیوم نیابة عنا، منفذة التعلیمات التي یملیھا العقل الواعي. سأعید ما قلتھ لتوي بطریقة مختلفة؛ إن العقل الباطن ھو خادم متاح لخدمتنا لیل نھار، وھو لا یُصدر الأحكام ولا یخبرنا إذا ما كنا مخطئین أم لا، بل ینفذ التعلیمات التي یتلقاھا من “رئیسھ،” وھو العقل الواعي. )تذكر مثال ربان السفینة وطاقمھ في الفصل الأول.( یعد العقل الباطن أفضل أداة نمتلكھا، فمن خلالھا نستطیع تحقیق أي تغییر إیجابي في أي مجال من حیاتنا، إذا استخدمناه بصورة صحیحة؛ فنحن بحاجة إلى أن نفھم بشكل أفضل قوة حدیث النفس الخاص بنا، كما أننا بحاجة إلى أن نسیطر بطریقة أفضل على ما نطلبھ من عقلنا الباطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى